عبد الشافى محمد عبد اللطيف
129
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
بل يأمر جنود المسيح بإبادة المسلمين أينما وحيثما كانوا ؛ فالسطو الاستعماري الأوروبي على الشرق الإسلامي الذي بدأ من عهد الكشوف الجغرافية كان بتأييد الكنيسة والبابا . ألست معي في أن العلاقات بين أوروبا والإسلام بدأت في مؤتة وتبوك ولا زالت مستمرة ؟ عداء وحقد من جانب أوروبا على الإسلام والمسلمين وعلى كل ما يمت إلى الإسلام بصلة ، ألم تقرأ أن الجنرال اللنبي - القائد الإنجليزي - قال عندما دخل فلسطين في أثناء الحرب العالمية الأولى : « الآن انتهت الحروب الصليبية » . وأن زميله الجنرال الفرنساوي غورو عندما دخل دمشق زار قبر صلاح الدين الأيوبي رحمه اللّه وقال متشفيا : « ها قد عدنا يا صلاح الدين » هل يقرأ المسلمون تاريخهم جيدا ؟ وهل يعرفون عدوهم من صديقهم ؟ ليتهم يفعلون . هذا ولم تقف نتائج غزوة تبوك عند هذا ، لم تقف عند لفت النبي صلّى اللّه عليه وسلم نظر المسلمين لفتا قويّا إلى عدو من أعدائهم الرئيسيين ، بل هو عدوهم الرئيسي ولم تقف عند حد تمهيد الطريق الرئيسي الذي سوف يسلكونه في مواجهتهم للعالم ، حاملين راية دينهم ، بل إنها كانت ذات أثر عظيم في حياة المسلمين أنفسهم ونزلت من أجلها سورة القرآن الكريم ، وهي سورة التوبة . تلك السورة التي حددت بشكل قاطع وأخير العلاقات بين الأمة الإسلامية وسائر الأمم في الأرض سواء من المشركين أو من أهل الكتب السماوية . « كما تضمنت تصنيف المجتمع المسلم ذاته ، وتحديد قيمه ومقاماته ، وأوضاع كل طائفة ، وكل طبقة من طبقاته ووصف واقع هذا المجتمع بجملته وواقع كل طائفة منه وصفا دقيقا مصورا بليغا » « 1 » . فكما كان في هذا المجتمع المسلم ، الصفوة من المسلمين الذين باعوا أرواحهم للّه ، وجاهدوا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بأموالهم وأنفسهم . وقال اللّه تعالى عنهم : لكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 88 ) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [ التوبة : 88 ، 89 ] . كان هناك طائفة من المسلمين ، الذين وإن لم يشك في إيمانهم ، لكن قعدت بهم عزيمتهم عن الجهاد في سبيل اللّه ، فأنبهم اللّه على هذا القعود ، وحثهم على الجهاد في سبيله ، وناداهم بوصف الإيمان ، ليثير هممهم وعزائمهم . فقال تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ
--> ( 1 ) سيد قطب - في ظلال القرآن ( 10 / 81 ) .